سيد محمد طنطاوي

154

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال القرطبي في المراد بالحسنة هنا ستة أقوال : نزول المدينة قاله ابن عباس والحسن . . الثاني : الرزق الحسن . قاله مجاهد . الثالث : النصر على عدوهم ، قاله الضحاك ، الرابع : لسان صدق ، حكاه ابن جريج . الخامس : ما استولوا عليه من البلاد . . السادس : ما بقي لهم في الدنيا من ثناء ، وما صار فيها لأولادهم من الشرف . ثم قال : وكل ذلك قد اجتمع لهم بفضل اللَّه - تعالى - » « 1 » . والمعنى : والذين هاجروا في سبيل اللَّه ، وفارقوا قومهم وأوطانهم وأموالهم وأولادهم . . من أجل إعلاء كلمته ، بعد أن تحملوا الكثير من أذى المشركين وظلمهم وطغيانهم . هؤلاء الذين فعلوا ذلك من أجل نصرة ديننا ، لنسكننهم في الدنيا مساكن حسنة يرضونها ، ولنعطينهم عطاء حسنا يسعدهم ، ولننصرنهم على أعدائهم نصرا مؤزرا . وقوله « في اللَّه » أي : في سبيله ، ومن أجل نصرة دينه . فحرف « في » مستعمل للتعليل ، كما في قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « دخلت امرأة النار في هرة حبستها . . . » . والمقصود أن هذا الأجر الجزيل إنما هو للمهاجرين من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، ومن أجل نصرة الحق ، وليس لمن هاجر لنشر الظلم أو الفساد في الأرض . وأسند فعل « ظلموا » إلى المجهول ، لظهور الفاعل من السياق وهو المشركون . وفي ذلك إشارة إلى أن هؤلاء المهاجرين لم يفارقوا ديارهم ، إلا بعد أن أصابهم ظلم أعدائهم لهم ، كتعذيبهم إياهم ، وتضييقهم عليهم ، إلى غير ذلك من صنوف الأذى . وأكد - سبحانه - الجزاء الحسن الذي وعدهم به باللام وبنون التوكيد « لنبوئنهم . . » ، زيادة في إدخال السرور والطمأنينة على قلوبهم ، وجبرا لكل ما اشتملت عليه الهجرة من مصاعب وآلام وأضرار . إذ الحسنة - كما قلنا - تشمل كل حسن أعطاه اللَّه - تعالى - للمهاجرين في هذه الدنيا . أما في الآخرة فأجرهم أعظم ، وثوابهم أجزل ، كما قال - تعالى - : * ( ولأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) * . والضمير في قوله « لو كانوا يعلمون » يعود على أعدائهم الظالمين . أي : ولثواب اللَّه - تعالى - لهم في الآخرة على هجرتهم من أجل إعلاء كلمته ، أكبر

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 107 .